محمد عبد الكريم عتوم
67
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
وقد استُخدم مصطلح الأمة للتعبير عن معانٍ عرقية ، ومعانٍ دينية معا ، وفي بعض الأحيان دون وضع حد فاصل بينهما . وغالبا ما يتحدث الكتاب المسلمون عن أمة إسلامية واحدة لا تحتوي على أية تقسيمات جغرافية أو عرقية « 1 » . إن ما كان سائدا في العصر الجاهلي قبل البعثة النبوية من مصطلحات وكلمات مثل القوم ، والقبيلة ، والجماعة ، والشعب ، والطبقة ، والعنصر ، وغيرها من المصطلحات ، لم تحمل معنى ومفهوم الأمة ، الذي عرفه العرب بالإسلام من خلال النبوة . فرغم وجود حواضر رئيسة للعرب مثل مكة المكرمة ، ورغم أن اللغة العربية بلهجة قريش مثلت رباطاً بين القبائل العربية ، إلا أن العرب لم يشكلوا أمة قبل ظهور الإسلام ، ذلك أنه " لولا النبوة لما توحد العرب ، أو انتظموا وبلغوا درجة عليا من النهوض الأخلاقي ، وبالتالي لما دخلوا التاريخ أصلا ، فكأن النبوة قدمت نفسها لتمنح العرب هوية أو وحدة أو قدرا " « 2 » . لكن الإسلام لم يستهدف تحويل العرب إلى أمة ، بل استهدف بشكل خاص إقامة الأمة الإسلامية من حيث إن الإسلام يشكل الرباط الذي يجمع ، أو الماعون الذي يتسع لمجموع المؤمنين بالإسلام . فالأمة الإسلامية بذلك لا تعني مجموعة عرقية ، أو رابطة قومية ، بل إن الرابطة هنا رابطة معنوية وثقافية ، يبرز فيها الإسلام كعقيدة نظرية ، أو كتجربة تاريخية ، وكمنظومة سلوك وأهداف ، ورؤية للعالم لا تلغي الخصوصيات ، وتسمح بالتعبير الإيجابي عنها ضمن الإطار الثقافي العام للإسلام . وضمن الإطار العام للأمة الإسلامية ، لم تلغ القوميات المختلفة باعتبارها جزءاً من المنظومة ، فأصبح بالإمكان بروز العرب ، والفرس ، والترك ، وغيرهم من القوميات ، تمايزت عن بعضها ، لكنها بقيت مندمجة في الإطار الحضاري العام للأمة الإسلامية . لقد كانت الأمة الإسلامية تجربة جديدة ، سمحت للجماعات الجديدة المتشكلة من أفراد وجماعات ذات خصوصية بالتشكل والتطور ، واستوعب مفهوم الأمة الإسلامية هذه التكوينات
--> ( 1 ) - برنارد لويس ، لغة السياسة في الإسلام ، 56 . ( 2 ) - هشام جعيط ، مجلة الاجتهاد ، العدد 13 ، 1991 .